القرطبي

103

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

ولكنه جعل التراب طينا ثم جعله صلصالا ثم خلقه منه ، فكذلك عيسى حوله من حال إلى حال ، ثم جعله بشرا من غير أب . ونزلت هذه الآية بسبب وفد نجران حين أنكروا على النبي صلى الله عليه وسلم قوله : ( إن عيسى عبد الله وكلمته ) فقالوا : أرنا عبدا خلق من غير أب ، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : ( آدم من كان أبوه أعجبتم من عيسى ليس له أب ؟ فآدم عليه السلام ليس له أب ولا أم ) . فذلك قوله تعالي : " ولا يأتونك بمثل " أي في عيسى " إلا جئناك بالحق " في آدم " وأحسن تفسيرا " [ الفرقان : 33 ] ( 1 ) . وروي أنه عليه السلام لما دعاهم إلى الاسلام قالوا : قد كنا مسلمين قبلك . فقال : ( كذبتم يمنعكم من الاسلام ثلاث : قولكم اتخذ الله ولدا ، وأكلكم الخنزير ، وسجودكم للصليب ) . فقالوا : من أبو عيسى ؟ فأنزل الله تعالى : " إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب " إلى قوله : " فنجعل لعنة الله على الكاذبين " [ آل عمران : 61 ] . فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال يعضهم لبعض : إن فعلتم اضطرم الوادي عليكم نارا . فقالوا : أما تعرض علينا سوى هذا ؟ فقال : ( الاسلام أو الجزية أو الحرب ) فأقروا بالجزية على ما يأتي . وتم الكلام عند قوله " آدم " . ثم قال : " خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون " أي فكان ؟ . والمستقبل يكون في موضع الماضي إذا عرف المعنى . قال الفراء : ( الحق من ربك ) مرفوع بإضمار هو . أبو عبيدة : هو استئناف كلام وخبره في قوله " من ربك " . وقيل هو فاعل ، أي جاءك الحق . ( فلا تكن من الممترين ) الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته ، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن شاكا في أمر عيسى عليه السلام . قوله تعالى : فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبنائنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين ( 61 )

--> ( 1 ) راجع ج 13 ص 28 .